الرئيسية


 

 

كلمة معالي الدكتور عبد الواحد بلقزيز الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي في إفتتاح أعمال الدورة السادسة للمؤتمر الإسلامى لوزراء الإعلام
.5- 8 محرم 1424 هـ  8 -11 مارس 2003 م   القاهرة - مصر

 معالي السيد عاطف عبيد

رئيس وزراء جمهورية مصر العربية

أصحاب المعالي الوزراء ، 

أصحاب السعادة ،

سيداتي وسادتي :

         يشرفني أن أتوجه بالشكر والتقدير إلى معالي السيد عاطف عبيد، رئيس وزراء جمهورية مصر العربية، وعبره إلى فخامة الرئيس محمد حسني مبارك وحكومة جمهورية مصر العربية، لاستضافة الدورة السادسة للمؤتمر الإسلامي لوزراء الإعلام . وتأتي هذه الاستضافة الكريمة لتؤكّد الدعم المتواصل والمستمر الذي ما فتئت جمهورية مصر العربية تبذله لتعزيز العمل الإسلامي المشترك ، وحرصها على كل ما من شأنه خير الأمة الإسلامية وعزتها ووحدتها ورفاهها .

        وما عودة وزراء إعلام الدول الإسلامية مرة أخرى لعقد اجتماعهم في القاهرة، بعد عقدهم الدورة الثانية فيها عام 1990م ، إلا دليلٌ على رغبتهم في الاستفادة من خبرات النهضة الإعلامية المباركة في مصر، وفي الإشعاع الحضاري المتألق فيها، خصوصاً في هذه المرحلة لعصيبة من الزمن والتي تجد فيها الأمة الإسلامية نفسها مستهدفةً من كل جانب، وتتعرض لحملات عدائية مغرضة وتحديات غير مسبوقة تستهدف النيل من قيمنا وحضارتنا وثقافتنا، ويلعب فيها الإعلام الدور الرئيسي. وقد كان لمصر على مر العصور وتعاقب الأجيال دور ريادي في إعلاء كلمة الإسلام وحضارته، والذود عن تراثه العريق ورعاية مسيرته الإنسانية على يد رجالات مصر من المفكرين والمثقفين ورجال الإعلام المرموقين، الذين ساهموا إسهاماً كبيراً في تطوير الفكر العربي الإسلامي ومواكبة مسيرة الحضارة الحديثة.

 أيها السادة ،

        يطيب لي كذلك أن أنوّه بالجهود القيّمة التي بذلتها حكومة الجمهورية الإٍسلامية الإيرانية، وعلى رأسها فخامة الرئيس محمد خاتمي، خلال فترة رئاستها للدورة السابقة على مدى ثلاث سنوات ، حيث اضطلعت بإدارة مسيرة العمل الإعلامي الإسلامي المشترك، وعملت على تنظيم الدورة الأولى للمهرجان الدولي للإنتاج التلفزيوني في الدول الأعضاء الذي حقق إنجازات كبيرة، وفتح المجال واسعاً للمختصين في هذا الإنتاج للتعارف وتبادل الأعمال، والقيام بمشاريع مشتركة. كما أن الشكر واجبٌ للمسؤولين الإيرانيين، لاستضافتهم أعمال لجنة المتابعة الوزارية التي كانت بمثابة تحضير لاجتماعنا اليوم.

        وإذ تأخذ جمهورية مصر العربية اليوم مشعل قيادة هذه المسيرة الإعلامية الإسلامية، فإننا واثقون بأن المشعل قد أخذته أيدٍ أمينة قادرة على المضيّ قُدُماً في مضمار لها فيها قصب السبق والتألّق والريادة والروح الخلاّقة التي خطت بالإعلام المصري خطوات عملاقة، هي مجال فخر واعتزاز كل أبناء الأمة الإسلامية. وكان من نتائجها إقامة صرح مدينة 6  أكتوبر المصرية للإعلام.

 حضرات السادة ،

        إن الأمل يحدونا بأن يكون اجتماعنا اليوم، فاتحةً لعهد جديد من العمل الإعلامي الإسلامي المشترك، لأن هذا العمل يحتاج إلى كثير من الإصلاح والجهد المخلص .. إذ لم يستطع، بعدُ، النهوضَ من كبوته والسموّ إلى مستوى مواجهة التحديات التي تعترض سبيله، ليصبح في إمكانه، ليس فقط دحض افتراءات المغرضين وإظهار حقائق الإسلام بصورتها الصحيحة والذود عن قضايا المسلمين العادلة بلغة العصر وأساليبه ووسائله، بل النهوض بالأمة الإسلامية في ميدان أصبح من أهم الميادين خطراً وتأثيراً.  

       ومن حُسن الطالع أن تكون اللجنة الإسلامية الدائمة للشؤون الإعلامية والثقافية، قد اجتمعت قبل أسابيع قليلة في دكار برئاسة فخامة الرئيس السنغالي عبد الله واد، وبحثت الكثير مما سنبحثه اليوم، وتركت لنا توصيات هامة ستعيننا فيما نحن بصدده من مهام. ويطيب لي في هذه المناسبة، أن أنوّه بالجهود التي بذلها الرئيس/ واد والمسؤولون السنغاليون والمؤتمرون، لتشخيص مواطن الفشل السابقة ورسم الطريق لمواجهة المستقبل بعقل مستنير وبأساليب واعدة مدروسة.

        وقد قامت هذه اللجنة التي اعتدنا على تسميتها لجنة "الكومياك"، بالنظر في نتائج لجان مراجعة آليات العمل الإعلامي الإسلامي المشترك ودرست مقترحاتها وأقرّت ما يستحق إقراره، وأحالت تنفيذ ذلك إلى دورتنا هذه . وقد تضمّن هذا الجهد سبل استنباط الطرق الجديدة التي يجب اتباعها لتحديث استراتيجيتنا الإعلامية، والخطة السنوية التي ينبغي الاتفاق عليها لوضع هذه الاستراتيجية موضع التنفيذ، متّبعين في ذلك قواعد سلوكٍ إعلامي مشرّف أوصت به لجان الخبراء.

       كما أن هذه اللجنة قد وفّرت علينا مشقة الخوض في موضوع التمويل الذي كان حجر عثرة كبيراً عطّل أعمالنا في الماضي وشل حركتنا. وقد اقترح فخامة الرئيس عبد الله واد، كحلٍّ للأزمة المالية المزمنة، تخصيص جلسة خاصة في مؤتمر القمة الإسلامي العاشر الذي سيعقد في وقت لاحق من هذا العام في كوالالمبور، من أجل الاكتتاب لجمع التمويل الضروري لتنفيذ خطة العمل الإعلامية (بمبلغ 3 ملايين دولار للسنوات الثلاث القادمة) ، ولانطلاق تنفيذ البرنامج الإسلامي لتنمية الإعلام والاتصال الذي يحتاج إلى مليوني دولار .

        وإنني إذ أبارك هذا المسعى، وأعتقد أنه الحل الأمثل للمعضلة المالية التي عطّلت أعمالنا في هذا المجال، فإنني موقن أن السادة وزراء الإعلام سيسعون بدورهم لدى زملائهم وزراء الخارجية في حكومات الدول الأعضاء، لحثّهم على الاهتمام بهذا الموضوع، وطرحه على أصحاب الجلالة والفخامة والسمو في الدول الأعضاء لدى حضورهم مؤتمر القمة الإسلامية القادم في شهر أكتوبر.

      ولكي نقنع رؤساء دولنا بأحقية هذا التمويل وأهميته، فإن علينا – خلال هذه الدورة – تحديد معالم خطتنا الإعلامية بما يجعل إعلامنا يرقى إلى مستوى كفاءات الإعلام الدولي الفاعل والمؤثر، بفضل التعاون بين مؤسساتنا الإعلامية والهيئات الدولية ذات الصلة والاختصاص ، بما يجعلنا نتغلب على الهوّة الرقمية التي تفصل بين دولنا وبين الدول المتقدمة.

        وقد قام الخبراء المهندسون في الدول الأعضاء بإعداد مشروع هذه الخطة، ونظر في تفاصيلها اجتماع كبار الموظفين، وسيُعرض على اجتماعنا اليوم ما تم الاتفاق على تبنّيه من هذا المشروع. والخطة المقترحة،  مجرد مرحلة أولى ينبغي تطبيقها قبل أن يكون في إمكاننا الانتقال إلى المراحل التالية التي علينا أن نبدأ في الإعداد لها وتصور ملامحها ، ذلك أن العالم يعيش طفرة كبيرة في مجال تكنولوجيا الاتصال والإعلام الجديد ، تتطور بانتظام وبسرعة مذهلة ، وعلينا الإسراع في ملاحقة تطورها للاستفادة من منافعها وولوج مجتمع الإعلام والمعلومات التي تنمو مؤسساته باضطراد، وتنتشر فوائده في كل ميادين المعرفة.

        ومن أهم القضايا التي يتعين أن تتضمنها الخطة، موضوع التعاون والتنسيق بين مؤسسات الإذاعات والتلفزيونات في الدول الأعضاء، بهدف تكامل جهودها وتبادل الحاجيات فيما بينها، ضمن برنامج يُقام لتبادل التجهيزات التماثلية أو الرقمية من الفئة الأولى، بين الدول التي وُفقت لتعويضها وبين تلك التي لم تُوفّق بعد لذلك.

        وقد تكون فرصة عقد الدورة الثانية لمهرجان الإنتاج التلفزي للدول الأعضاء في المنظمة والتي ستتم في إسلام أباد، مناسبة للتفاهم بين رؤساء المؤسسات الإسلامية المذكورة حول حاجاتهم هذه ، وكيفية تبادلها فيما بينهم .

        و لابد لي من أن أشير أن دخولنا مجتمع الإعلام والمعلومات، هو أهم إنجاز يمكن تحقيقه بتصحيح موقفنا وترسيخه وقيادة مسيرة مجتمعاتنا نحو ما تصبو إليه من رقيّ وازدهار وتنمية مستدامة .

        وإن نجاحنا في إرساء القواعد الصحيحة لولوج عقد التقنيات الجديدة للإعلام والاتصال وطور التحكّم في المعلومات وتوظيفها التوظيف الأمثل، يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالطريقة التي سنتبعها للإعداد لمشاركة فعالة في المؤتمر العالمي لمجتمع الإعلام الذي سيُعقد على مرحلتين : في جنيف، أواخر هذا العام ، وفي تونس عام 2005م . وإن كانت مرحلة تونس هي المرحلة الحاسمة، فإن إعدادنا الجيد لمرحلة جنيف هو مفتاح نجاح مرحلة تونس .

        وقد أبدت المنظمات الإقليمية اهتماماً كبيراً وجدّيةً في الإعداد لهاتين المرحلتين ، فعقدت الدول الأوروبية عدة اجتماعات تمهيدية لذلك ووصلت إلى خطط وبرامج هامة. كما فعلت الدول الآسيوية الشيء نفسه في اجتماع لها في طوكيو ، وعقدت الدول الأفريقية كذلك اجتماعات لهذا الغرض في مالي . وهذه الاجتماعات تدل على الأهمية الخاصة لهذا الموضوع الذي لا ينبغي لنا أن نتهاون في النظر إليه وإلى نتائجه الخطيرة المحتملة.

        وبناءً على هذا، فإن على دورتنا أن تبحث في أنجع الوسائل لحُسن الإعداد لمرحلتي جنيف وتونس ، بما يمكننا من دخول مجتمع الإعلام والمعرفة، ونحن مطمئنون على مستقبل أمتنا وأجيالنا الصاعدة. فالإعلام الحديث يتحمّل اليوم مسؤولية متعاظمة في صياغة قيم المجتمعات وثقافتها وبنيتها وتوجهاتها المستقبلية. وتعتبر هذه المناسبة السانحة أمامنا ، فرصة قد يصعب تكرارها للقيام بما ينبغي القيام به كي يستعيد العالم الإسلامي ثقته في عبقريته وفي إيمانه بنفسه، وفي مقدرته على الإسهام الفعال في بناء الحضارة الحديثة، وعلى مواكبة التطورات السريعة التي بات منطق العصر يفرضها، حتى لا ندع  الآخرين  في موقف يستطيعون معه التحكم في مصائرنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية .

        ومن المعروف للجميع أن الدول المتقدمة قد دخلت تدريجياً منذ ثلاثة عقود مجتمع الإعلام والمعرفة، وسبقت بقية دول العالم بمراحل بعيدة ، وساعدتها في ذلك مؤخراً ظاهرة العولمة التي تجلّت في قطاع الإعلام بكيفية بارزة . وعلينا اليوم أن نتخذ قراراً مصيرياً : هل نريد أن نكون مشاركين فاعلين في مجتمع الإعلام والمعرفة ، أم أننا سنكتفي بأن نكون تابعين لغيرنا، مستهلكين لسلعه وخاضعين لهيمنته الفكرية والثقافية، وبالتالي الاقتصاديةوالسياسية ؟.

        إن الوضع السائد في العالم الآن يفرض علينا في العالم الإسلامي، أن ندرك خطورة موقفنا الحالي وحاجتنا الملحّة للتعبئة العامة لوضع نهاية للتهميش والتخلف . وأكبر ما يهددنا اليوم هو الهوّة العلمية والرقمية التي تتفاقم بيننا وبين الدول الغنية. فالعبقرية الحقيقية تكمن في توفّر الإرادة القوية لإجراء التغيير المطلوب نحو الأفضل، ثم في المقدرة على العمل الهادف، بعد التسلّح له بالعدّة العلمية اللازمة ، لأن المستقبل يقوم الآن على أساس المعرفة . ومن هنا فإن الاستثمار في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، هو أنجع وسائل الاستثمار لبناء المستقبل .

 

نقلا من موقع منظمة المؤتمر الاسلامي