|
الخرطوم – جمهورية السودان
28
مارس 2006م
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على نبيه الأمين محمد
صلى
الله عليه وسلم
أصحاب الجلالة والفخامة والسمو،
أصحاب المعالي والسعادة،
أيتها السيدات والسادة،
يشرفني أن أخاطب مجلسكم الموقّر، وأنتم تجتمعون على ضفة النيل
الخالد حيث ملتقى النيلين، مدينة الخرطوم الجميلة، لأحمل لكم
مشاعر العالم الإسلامي التضامنية، تلك المشاعر المخلصة النابعة
من العروة الوثقى الكامنة في ضمير كل مسلم، والمتأصلة في مفهوم
الأمة الإسلامية، وتتبدى تجلياتها في التضامن الإسلامي.
والتاريخ الحديث والقديم يشهدان على أن الأمة الإسلامية قد
وقفت على الدوام – تلقائيا - موقف النصير والحليف من قضايا
العالم العربي الذي هو بمثابة قلبها النابض، وهذا ما نحمد الله
عليه أن هدانا لذلك، ولكننا كنا وما زلنا نطمح اليوم إلى مزيد
من هذا التناصر والتضامن، عبر تنسيق عمليّ أكبر في الجهود
والبرامج التي يكمل بعضها بعضاً في مجالات تضامنية عديدة، تجعل
من العالم العربي والعالم الإسلامي قوة عالمية واحدة لها
مكانتها ووزنها، ولها كلمتها المسموعة على المستوى الدولي.
فالظرف الدولي دقيق، وخطير، والوقت وقت تتبارى فيه الأمم على
خلق تجمعات دولية كبرى، وتبرز فيه تحديات سياسية واقتصادية
وعملية وقيمية جديدة. وفي مقابل ذلك، فإن الله سبحانه وتعالى
قد منحنا الأخوة الإسلامية، وجبلنا على المودة والتراحم
والتكافل وهيأ لنا أسباب وحدة لا انفصام لها.
ومن حسن الطالع في خضمّ هذا الحراك الدولي أن عُقدِتْ القمةُ
الإسلاميةُ الاستثنائية الثالثة في مكة المكرمة قبل قرابة
أربعة أشهر، وتبنت برنامج العمل الإسلامي العشري الذي يهييء
لنا فرصة نادرة للقيام بعملٍ جماعي مشترك، وللتعامل – بكيفية
عملية – مع تحديات الواقع الدولي المعاصر المختلفة، وتحديد
وسائل التعاون المشترك للنهوض من الكبوة، مع التركيز على قضايا
التنمية الاقتصادية والاجتماعية توطئة للانعتاق من أزمة
الاحباط المرفوضة التي بتنا نعاني منها جميعا.
وقد حرصنا في الأمانة العامة لمنظمة المؤتمر الإسلامي على أن
ننهض بمسؤولياتها – منذ اعتُمدت قرارات قمة مكة الاستثنائية –
للبدء في تطبيق هذه القرارات، وعملنا على تيسير هذا التطبيق،
ووضعنا لذلك الجداول والبرامج، بمنطق ما يسمى اليوم بخارطة
الطريق. وعقدنا لذلك الاجتماعات التنفيذية التمهيدية لبدء هذه
المسيرة التاريخية.
وتنفيذ القرارات رهين – كالعادة – بتوافر الإرادة السياسية
للدول والتي بدونها لا يمكن عمل أي شيء. وأغتنم هذه الفرصة
السانحة لألتمس منكم أصحاب الجلالة والفخامة والسيادة التفضّل
بمدّ يد المساعدة لجهود الأمانة العامة لتنفيذ القرارات التي
ارتأيتم إقرارها في القمة الإسلامية الأخيرة.
وإدراكا منّا بأهمية تنسيق العملين العربي والإسلامي،
فإننا – بحمد الله – قد أعددنا أنا وأخي الأمين العام السيد
عمرو موسى العدة للارتقاء بمستويات التنسيق والتعاون بين جامعة
الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي، بحيث أصبحنا نقف اليوم
على عتبة عهد جديد في العمل المشترك، ووضعنا لذلك الإطار
المؤسساتي الذي يرسخ جذور التعاون والتنسيق، ويفتح من أمامنا
أبوابا واسعة للعمل المشترك. وقد كانت لنا فرص في الآونة
الأخيرة لتنسيق الجهود وتبادل المشورة في قضايا عديدةُ لعلّ
أهمها قضية الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للرسول محمد صلى الله
عليه وسلم، حيث قدمت لنا الجامعة مشكورة الدعم والتأييد في
إدانة هذا العمل المشين، الذي أراد التستّر وراء مفهوم حرية
التعبير لبث الأحقاد والكراهية ضد المسلمين. وشاركتنا الجامعة
العربية في وضع بيان بهذا الشأن تمّ بين المنظمة والجامعة
وهيأة الأمم المتحدة وصدر من مدينة الدوحة في قطر على هامش
منتدى تحالف الحضارات.
أصحاب الجلالة والفخامة والسمو،
حضرات السيدات والسادة،
ومن جانبٍ آخر فانا لا زلنا نراقب بكثير من القلق
الوضع الأمني في العراق. وقد رحبنا في حينه بانعقاد الاجتماع
الأول للمجلس الوطني (البرلمان) العراقي، وأعربنا عن أملنا في
أن تسفر المشاورات بين الأطياف العراقية عن تشكيل حكومة وحدة
وطنية عراقية، لتدعم استمرار تواصل العملية السياسية، وتسهم في
انفراج احتقان الوضع الحالي، وبسط احترام النظام والقانون.
وهذه متطلبات أساسية لتجاوز سلبيات النزاعات الحالية القائمة
على أسس مذهبية أو طائفية أو عرقية والتي من شأنها أن تضعف أسس
التوجّه الديمقراطي الجاري في العراق.
وقد عبرنا عن تقديرنا للجهود التي تبذلها جامعة الدول
العربية في مجال الوفاق الوطني في العراق ونأمل أن تواصل
مساعيها الحميدة في هـذا الصدد، وقد طالبتنا جهات عراقية
وخارجية بضرورة المساهمة بكيفية أكبر في الشأن العراقي،
باعتبار أن المنظمة من أكثر المنظمات أهلية للمساهمة في الحلول
الممكنة لقضايا العراق، نظرا إلى أن العراق وجميع دول الجوار
أعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي. وقد شكلت المنظمة فريق اتصال
بهذا الشأن. كما طُلب منّا فتح مكتب للمنظمة في بغداد.
أما في فلسطين فقد رحبنا بتنظيم السلطة الوطنية
الفلسطينية انتخابات تشريعية نزيهة كانت مجال تقدير الجميع،
وطالبنا بضرورة احترام الخيار الحرّ للشعب الفلسطيني
والاستمرار في تقديم المساعدات التي كانت تقدم للشعب الفلسطيني
لمساعدته في ظروف الحصار الإسرائيلي المالي والسياسي والعسكري
الذي تجعل اقتصاد الشعب الفلسطيني وظروفه الاجتماعية وأرزاقه
رهينة بنزوات السلطات الحاكمة في إسرائيل. وندعو الله أن تتمكن
السلطة الوطنية الفلسطينية الجديدة من النجاح في قيادة الشعب
الفلسطيني بالكفاية والمقدرة التي عرفت عن ممارساتها الإدارية
السابقة للشأن العام. وأن تثبت للعالم انفتاحها على متطلبات
الحياة الدولية المعاصرة.
وقد أدنّا تصريحات المسؤولين الإسرائيليين الأخيرة
التي تتنكر لكل متطلبات الشرعية الدولية والقانون الدولي
ولخارطة الطريق، وتروّج لحلول أحادية تفرض فرضاً على الشعب
الفلسطيني بما يحرمه من أراضيه ومصادر رزقه ومياهه. والعالم
العربي، والعالم الإسلامي، مدعوّان اليوم أكثر من أي وقت مضى،
لبذل عناية خاصة بالقضية الفلسطينية، وتقديم الدّعم الضروري
للتعامل مع الظرف الدقيق الراهن الذي تجتازه.
وختاما، فإننا نجدد دعمنا للإخوة في السودان في
جهودهم الرامية إلى التوصل لاتفاق سلام شامل في دار فور في
إطار المفاوضات الجارية حاليا في أبوجا، تحت إشراف الاتحاد
الإفريقي باعتباره المجال الوحيد لتحقيق السلام والاستقرار في
السودان، وقد ساهمت منظمة المؤتمر الإسلامي في هذا الجهد عن
طريق الوفود التي بعثتها إلى مقر الاتحاد الإفريقي واتصالاتها
مع جميع الأطراف بما فيها الأمم المتحدة.
داعيا لاجتماعكم هذا التوفيق والنجاح في مسؤولياتكم
الجسيمة التي أنتم خير من يضطلع بها بما يعود علينا جميعاً
بالعزّة والمنعة والسلام.
|