|
بسم الله الرحمن الرحيم
خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز حفظه
الله
أصحاب الجلالة والفخامة والسمو
صاحب المعالي السيد عبدالله بدوي
رئيس وزراء ماليزيا، ورئيس الدورة العاشرة لمؤتمر
القمة الإسلامي
أصحاب المعالي الوزراء
حضرات السيدات والسادة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
في هذه المدينة المباركة، وفي هذه البقعة الشريفة،
وقد ازدانت بجموع الحجيج الذين قصدوها من أصقاع الأرض كافة،
هنا في مكة المكرمة، مهبط الوحي، ومهوى أفئدة المسلمين
وقبلتهم، تجتمع هذه القمة الاستثنائية الثالثة لمنظمة المؤتمر
الإسلامي، بدعوة كريمة من خادم الحرمين الشريفين الملك عبد
الله بن عبد العزيز الذي أتوجه إليه وإلى حكومته الرشيدة،
بأسمى آيات الشكر والعرفان لما يبذلونه من اهتمام صادق لنصرة
قضايا المسلمين أينما كانوا، ومن دعم متواصل لمنظمة المؤتمر
الإسلامي.
ويطيب لي كذلك أن أرفع إلى دولة السيد الدكتور
عبد الله بدوي رئيس وزراء ماليزيا، ورئيس الدورة العاشرة للقمة
الإسلامية جزيل الثناء لما قام به شخصيا وما تقوم به ماليزيا
بقيادته من مبادرات خلاّقة ودعم معنوي في مجال التضامن
الإسلامي، وأخص بالذكر الجهد الذي قام به لإنجاح مهمة لجنة
الشخصيات البارزة التي نادت بإنشائها القمة الإسلامية العاشرة،
والشكر موصول كذلك لفخامة السيد برڤيز مشرف رئيس جمهورية
باكستان الإسلامية لجهوده القيمة في هذا المجال.
أصحاب الجلالة والفخامة والسموّ
حضرات السيدات والسادة،
يمر عالمنا الإسلامي اليوم في أخطر العهود في
تاريخه. ويواجه مشاكل وصعوبات كأداء تطال تأثيراتها حياة مئات
الملايين من الناس عبر العالم، بما لم يعد في وسعنا إهمالها،
ولا أن ننتظر حلاًّ لها من الآخرين.
ولدى العالم الإسلامي – بحمد الله – من الموارد ما
يكفي للتغلب على هذه المصاعب، فتاريخنا الحافل الغنيّ،
ومواردنا تجعلنا نوقن بأن في استطاعتنا أن نسير بالعالم
الإسلامي إلى مستقبل أكثر إشراقا وازدهارا.
إننا نعيش لحظة تاريخية دقيقة، أصبح فيها مصير
البشرية كلها مرتبطا بمصير العالم الإسلامي، لأن ما يقع في
بلاد الإسلام في عصر العولمة هذا، يؤثر على بقية أرجاء العالم
أكثر من أي وقت مضى. وهذا الشعور بالترابط وبالمسؤولية الخلقية
هو ما يدفعنا لأن نسعى لاستدراك الحلول للمسائل الملتهبة التي
تواجه عصرنا.
لقد جاء الإسلام كدين للعالم أجمع، وسرعان ما استطاع
العالم الإسلامي أن يبدع حضارة عالمية. القيم الإسلامية اليوم
هي قيم عالمية، وصار لزاماً علينا بهذه الروح أن نعطي المثال
بأنفسنا كمسلمين، لبقية أبناء البشرية. وهذا واجب ألقاه إلينا
القرآن الكريم والسيرة المثلى للنبي صلى الله عليه وسلّم.
لم نعد نملك ترف لوم الآخرين للمشاكل التي نصنعها،
فقد حان الوقت لمعالجة مشاكلنا الوطنية والجهوية، بشجاعة
وإخلاص وانفتاح. وهذا ما تتوقّعه منا جماهير المسلمين.
علينا أن نخلق ثقافة تضامن بين الشعوب الإسلامية، عن
طريق حشد مواردنا وطاقاتنا السياسية والاقتصادية والثقافية.
وعلينا أن نقنع إخواننا وأخواتنا عبر العالم، بأن لنا مصيراً
مشتركا، وأنّه بوسعنا أن نواجه تحديات العالم المعاصر حين نقف
متضامنين.
نريد تضامنا عبر العمل، بتوحيد مواردنا وطاقاتنا في
عمل ملموس، تضامنا عمليا على مستوى الحكومة والمنظمات غير
الحكومية، حتى يكون للتضامن قوة سياسية تدعمه، وتأييد شعبي عام
يسنده.
الوحدة لا تعني التماثل، إذ بإمكاننا أن نحقق الوحدة
دون أن نهمل الخصائص الفريدة المميزة، أو الظروف الخاصة لكل
شعب إسلامي. ويُقدم البساط أو الزربيّة الغنيّة في العالم
الإسلامي مثالا ساطعا لـ "الوحدة في التعددية" يمكن تقديمه
للمجتمعات الأخرى في عالم اليوم. وعلينا أن ندرك أن الشعوب
الإسلامية تكون قوية في انفرادها عندما يكون العالم الإسلامي
قويا ومتّحدا.
لقد بات من الضروري أن نناهض المدّ المتنامي لظاهرة
الخشية من الإسلام في البلاد الغربية، فهذه ظاهرة عالمية لا
تطال المسلمين وحدهم. ومحاربة الخشية من الإسلام حرب على الجهل
والكراهية، والتعصب، ونقص الفهم. وعلينا في عصر التواصل السريع
والإعلام العابر للحدود أن نعلّم كل واحد من مواطني العالم أن
يتحلّى بالفهم والرأفة واحترام الآخر. وعلينا كذلك أن نوضح
للعالم لماذا تعتبر الخشية من الإسلام شرا لا يقتصر ضرره على
المسلمين وحدهم، بل يطال كل الناس. فكراهية مجموعة من النّاس
هي في الحقيقة دعوة مفتوحة لكره الآخرين الذين لا يشبهوننا.
لقد طرحنا هذا الموضوع على عدد من المنظمات الدولية
في الغرب. وذكّرنا قادته بأن تخفيف التوتّر الديني هو أقصر
الطرق للأمن الدولي. وطالبنا بأن تسن قوانين في بلادهم تحرم
ممارسات الخشية من الإسلام وتحمي المسلمين. ورفعنا الأمر إلى
الأمم المتحدة وصدرت عن لجنة حقوق الإنسان في جنيف توصية تدين
حملات الكراهية والتعصب والتشهير الموجهة ضد المسلمين. كما
أقمنا مرصداً لجمع الحملات المعادية للإسلام وتوثيقها والتعامل
معها.
وينبغي علينا أن نولي اهتمامنا لقضايا التوتّر
الطائفي والعرقي، وأن نحارب الإرهاب بأن نعالج جذوره ومسبباته،
سواء اقترفه فرد أو جماعات أو دول، فالإرهاب جريمة على كل مسلم
أن يناصبها العداء.
أصحاب الجلالة والفخامة والسموّ
حضرات السيدات والسادة،
الجماهير الإسلامية تتوق إلى صرخة ضمير تعبّر عن
آمالها وطموحاتها. وعندما يبحث أفرادها من حولهم ولا يجدون من
يغيثهم سرعان ما يصبحون عرضة للتأثر بأفكار العناصر المتطرفة،
وبمراميها غير الشرعية. ومن هنا بات لزاما علينا أن نلبيّ
الحاجات الملحة للشعوب الإسلامية كيما نصبح أمة متوازنة وسطية
معتدلة.
وفي هذا السياق، فإنني أدعو إلى برنامج للوسطية
والتحديث. فالوسطية إحَدى المباديء الأساسية للإسلام، ونصّ
عليها القرآن الكريم الذي دعا الأمة الإسلامية لتكون "امة
وسطا".
والوسطية هي أساس التفاهم البشري، والقواعد التي
يقوم عليها هي التسامح، والتراحم واحترام الآخر. والوسطية مبدأ
يوحِّد ولا يفرِّق، ويبرز أفضل ما في الطبيعة الإنسانية ويخلق
التوازن الاجتماعي، والانسجام والتضامن.
والوسطية ليست فكرة سلبية لأنها تَصَرُّفٌ ينمّ عن
التمسك بالمباديء الخلقية والروحية حتى في أعسر الظروف
وأصعبها. وهي مسلسل ينبثق من تحليل دقيق متأنّ، وفهم صبور،
وتصالح توفيقي. بل إنها العمل الملهَم للوصول إلى أرضية
للتفاهم بين الأطراف المتشعبة.
إن عدم الالتزام بالوسطية هو أحد العوامل الرئيسية
للاضطراب والفوضى في العالم الحديث. أما أسبابه في العالم
الإسلامي فمردّها إلى مجموعة معقّدة من الظروف كالفقر والأمية
والأوبئة والفساد وعدم تساوي الفرص أو توزيع الثروة. وهذا ما
يدفع الناس إلى البحث عن أجوبة لمشاكلهم في أماكن أخرى. وعندما
لا تعالج هذه القضايا بالوسائل الشرعية، فإنها تستعمل كذريعة
للانخراط في الممارسات المتطرفة. وما يغذي هذه الممارسات في
العالم الإسلامي هي التطورات السياسية التي تنأى بالناس بعيدا
عن مباديء الوسطية.
ومن الوسائل الفعالة لتعزيز الوسطية، تغيير الظروف
التي تغذي الشعور بالعجز والحرمان والتهميش. وكل هذا يؤدي إلى
تنامي الأفكار المتطرفة وانتشارها. وفي استطاعتنا، ومن واجبنا،
خلق بيئة أفضل لا تظهر فيها منذ البداية مثل هذه الحالات.
وكيما نصل إلى ذلك فإن علينا أن نحسن ظروف الحياة السياسية
والاقتصادية في البلدان الإسلامية. وما يمكّننا من معالجة هذه
المشاكل بطريقة فعالة وبناءة وضع برنامج تطوير وتحديث متوازن
ومستدام.
ما نريده إذن هو برنامج عمل للتحديث لإعادة إنشاء
مبدأ الوسطية، نريد مسلسلا متوازنا لتنمية خلقية واقتصادية
وعلمية وتعليمية، يجتث الجذور والدوافع التي تقود الناس إلى
التطرف، وتفقدهم الطموح والأمل في المستقبل. نريد برنامجا
مستداما للتحديث يعطي لشعوبنا إحساسا بالانتماء إلى الهوية،
وبالثقة بالنفس.
وسيكون بإمكاننا تحقيق هذين الهدفين: الوسطية
والتحديث، من خلال برنامج عمل خاص. وعندما يتمّ تحقيق وتنفيذ
الهدفين بعناية، سنتمكن من التغلب على الأزمة التي نعيشها
الآن. وسيساعدنا هذا البرنامج على أن نستعيد كرامتنا، ونحتّل
مكانا لائقا ومستحقّاً في العالم، بل سيتيح لنا ذلك فرصة
للإسهام في إرساء أركان السلم والأمن في العالم.
وقد رفعت إلى أنظاركم توصيات لجنة الشخصيات
الإسلامية البارزة التي طالبتم بإنشائها في قمتكم العاشرة في
بوتراجايا سنة 2003. وقد ساهمت هذه الشخصيات في أعمال ندوة مكة
للعلماء والمفكرين التي دعا إليها خادم الحرمين الشريفين،
ونقلت إلى الندوة خلاصة أفكارها ومداولاتها.
ولاشك في أن برنامج العمل العشري الذي انبثق عن
نتائج ندوة مكة المكرمة لعلماء ومفكري الأمة، وما وقع عليه من
تصويبات وإثراء من قبل اجتماعي كبار الموظفين، واجتماع وزراء
الخارجية الذي تم بالأمس، يشكل خطة عمل واضحة المعالم تؤسس
للعمل الإسلامي المشترك وتحدد أولويات ووسائل تطبيقه خلال
العقد القادم من السنين في كل المجالات المشتركة، ويرسم منهاجا
غير مسبوق لتطوير العالم الإسلامي وتعزيز مكانته في العالم.
كما أن تقرير الأمين العام الذي رفع إلى مجلسكم الموقر يتضمن
تلخيصا وافياً لأفكار وتوصيات العلماء والمفكرين المذكورين.
وبذلك تكون قد تكاملت التحضيرات والوثائق التي ستبدون آراءكم
فيها، وتدارسونها توطئة لاتخاذ قرار بشأنها.
أصحاب الجلالة والفخامة والسموّ
حضرات السيدات والسادة،
علينا أن نعمل جاهدين وبفعالية ليصبح العالم
الإسلامي بشكل عام، والشرق الأوسط على الخصوص أرض أمن وسلام
وازدهار. نحن نحيى في منطقة جغرافية تنزّلت فيها الديانات
الإبراهيمية الثلاث، حيث نمت وترعرعت، داعية لسلام البشرية
كلها. وعلينا الآن أن نستعيد مهمتنا لإحلال العدالة في أرجاء
العالم.
لقد أدرك العالم كله الآن أن أخطر بواعث التوتر
والاضطراب في منطقة الشرق الأوسط بل في العالم كله، كامنة في
تداعيات المأساة التي تتوالى فصولها في فلسطين، وفي مدينة
القدس الشريف على وجه الخصوص. الممارسات الإسرائيلية تنتهك كل
يوم المواثيق والأعراف الدولية، والقانون الدولي، والقيم
الإنسانية، وعلى رأسها حقوق الإنسان. وينجم عن هذا بالضرورة
وضع متفجر جلب إلى المنطقة المآسي والمعاناة، وإلى العالم
التوتر وانعدام الأمن وتفاقم المخاطر.
إسرائيل تمضي قدما في بناء الجدار العازل الذي أعلنت
محكمة العدل الدولية عدم شرعيته. وتمعن في بناء المستوطنات
التي أدانتها قرارات الشرعية الدولية، وتستمر في تهويد مدينة
القدس وتغيير معالمها الحضارية وتركيبتها الديمغرافية ضد
قرارات الأمم المتحدة. وهذه ممارسات ندينها ونشجبها ونطالب
بوقفها. ومع أن المبادرة العربية التي أطلقها خادم الحرمين
الشريفين لحل النزاع العربي الإسرائيلي قد لاقت قبولا دوليا
واسعا، فإسرائيل ما تزال تماطل وتدعي بأن ليس لديها شريك في
عملية السلام.
لقد ذكرنا أن خيار السلام هو الخيار الاستراتيجي لحل
مشاكل الشرق الأوسط. وبناء على هذا المنظور، فإننا ندعو
المجموعة الدولية أن تفرض على إسرائيل الالتزام التام بتطبيق
خارطة الطريق. ونصر على أن تتخلى إسرائيل عن سياستها في مدينة
القدس التي نعتبر قضيتها القضية المركزية الأولى للعالم
الإسلامي كله.
وقد استبشرنا خيرا بانعقاد مؤتمر الوفاق الوطني
العراقي في القاهرة مؤخرا، حيث اجتمعت فيه كل أطياف الشعب
العراقي. وبتنا نتطلع إلى أن تتم الانتخابات النيابية في
العراق بعد أسبوع في ظروف مرضية. كما نأمل من وراء ذلك استكمال
المسلسل السياسي الذي نرجو أن يقود البلاد إلى الاستقرار
واستتباب الأمن، واسترجاع السيادة الكاملة، وانسحاب القوات
الأجنبية.
وما زلنا نرجو أن يؤدي انفراج العلاقات بين باكستان
والهند إلى حل قضية كشمير بما يحقق مطامح الشعب الكشميري، وأن
توفق جهود الاتحاد الإفريقي التي تبذل حاليا في أبوجا لحل
مشكلة دار فور في السودان دون تدخل الأطراف الأجنبية. كما
نتطلع لإنهاء الصراع الأخوي في الصومال بانتصار المصالحة
الوطنية، وحل مشكل الشيشان حلاّ سياسيا ينهي المعاناة
الإنسانية لشعب الشيشان، وتسوية قضية قبرص بما يضمن للطائفتين
المتعايشتين فيها حقوقا متكافئة. وتطبيق التسوية السياسية في
جنوب الفلبين تطبيقاً لا يخلّ بالتعهدات التي تم الاتفاق
عليها، وحل مشكلة التوتّر في جنوب التايلاند وفي ميانمار بما
يحفظ للأقليات والمجتمعات الإسلامية هناك حقوقها.
أصحاب الجلالة والفخامة والسموّ
حضرات السيدات والسادة،
لقد أنشئت منظمة المؤتمر الإسلامي بعزيمة صادقة
وتطلع إلى آفاق رحبة لإعادة انبعاث الأمة الإسلامية. وقد مرّ
على إنشاء المنظمة زمن طويل، تبدلت فيه الأحوال، وتغيرت فيه
موازين القوى في العالم، بما لا يخدم أهداف العالم الإسلامي.
وقد تجدد الأمل لدى طرح فكرة خادم الحرمين الشريفين وإخوانه
ملوك ورؤساء الدول والحكومات الإسلامية الداعية إلى وضع رؤية
جديدة للعالم الإسلامي. وقوام هذه الرؤية هو جمع الشتات ووحدة
الصفّ وإصلاح منظومة المؤتمر الإسلامي.
وقد بدأت منذ أن شرفتموني بإدارة شؤون المنظمة، بعهد
جديد يقوم على جعل تفاعل المنظمة مع الأحداث السياسية والدولية
أمراً أساسيا من الأنشطة اليومية. وهذا ما أتاح لشؤون العالم
الإسلامي حضورا أوسع كشريك فاعل في المجموعة الدولية. كما
باشرت بإجراء إصلاحات إدارية داخلية لتطوير ثقافة العمل وأداء
الموارد البشرية فيها، وعملت على عقلنة وترشيد البيروقراطية.
ووضعت كذلك معايير للمسؤولية والشفافية، وحسنت الوضعية
المالية. وناديت بترشيد القرارات لتصبح قابلة للتطبيق ضمن
امكانات التعامل الجدّي معها، لإزالة الفجوة بين القرار
وتنفيذه.
وقد تعاظمت في الآونة الأخيرة المطالب من الأمين
العام والأمانة العامة في كثير من الميادين. فقد أصبحت المنظمة
مركز استقطاب اهتمامات أبناء العالم الإسلامي. كما أصبحت محط
اهتمام الدول الأجنبية وساستها. وهي مطالبة اليوم بأن تقوم
بدور مركزي في تنفيذ العديد من المطالب التي تنطوي عليها
الرؤية المستقبلية للعمل الإسلامي المشترك.
ولذلك، فإنه قد أصبح من الحيوي أن تكون منظومة منظمة
المؤتمر الإسلامي قادرة على القيام بالدور الدور الذي يتوقعه
منها العالم الإسلامي كعنصر فاعل في ميدان التضامن الإسلامي.
وترسيخ العمل الإسلامي المشترك، والدفاع عن حقوق العالم
الإسلامي. والإسهام الجدي في معركة التنمية بأبعادها العديدة.
وإشاعة المباديء والفضائل الإسلامية. وتنسيق الجهود التكاملية
الاقتصادية. والإلحاح على حتمية الاهتمام بالتعليم والعلوم
والتكنولوجيا، وإصلاح البيئة الاجتماعية وغير ذلك. وهذه
مسؤولية كبيرة نتشرف بالاطلاع بها في الحدود القصوى
لإمكاناتنا.
فالمنظمة هي أهم مؤسسة مؤهلة لتسمع صوت العالم
الإسلامي. وبإمكانها أن تعبّر عن آمال ومطامح الجماهير المسلمة
عبر العالم. وإذا تم إنعاشها أو تزويدها بالموارد الضرورية
لتحقيق مهمتها، فإنها ستفي بالوعد المنشود بأن تعمل لمصلحة
المسلمين في أرجاء العالم.
إن باستطاعة المنظمة أن تحقق للدول الأعضاء تضامنا
عبر العمل، عن طريق البرامج والمبادرات. وسيعزز مثل هذا
التضامن القوى المحركة في المنطقة، بما سيحمل في ثناياه
الازدهار للبلدان الإسلامية. وسيعطي هذا الواقع بعداً آخر جديا
لعلاقة البلدان الإسلامية مع العالم.
وعندما تزود منظمة المؤتمر الإسلامي بأدوات العمل
الضرورية، فإنها تستطيع أن تحقق برنامج الوسطية والتطوير عن
طريق تجنيدها الموارد الفكريّة والاقتصادية للعالم الإسلامي.
وعندما تجتمع الوسطية في الفكر والعمل مع التنمية المستدامة،
سيصبح العالم الإسلامي، مرة أخرى أرضا للسلام والأمن والإزدهار.
ولمؤتمركم السامي هذا أن يوصي بما ترونه مناسباً من
الدعم لنا في جهودنا هذه وتوفير الظروف التي ترفد هذا الجهد
وتعززه في خدمة أهداف الأمة وبرامجها.
وأود أن أكرّر هنا شكرنا وامتناننا لخادم الحرمين الشريفين على
الدعم والمساندة المستمرة للمنظمة لمساعدتها على القيام
بمهامها خير قيام، وأعرب عن أملي الصادق بأن تعرف المنظمة في
عهده الزاهر كل دعم وتشجيع، وأنوّه بعزمه، حفظه الله، على أن
يجعل للمنظمة مقرّاً جديدا جديرا بها.
وفي الختام، فإن الظرف الذي نجتازه دقيق ومصيري.
والمرور منه بسلام إلى ما نطمح إليه رهين بتماسك إرادتنا
السياسية وبعزمنا على التضحية والعمل الجماعي لنستعيد الحقوق
والمكانة اللائقة بأمتنا. فالنظام العام الدولي – على ما هو
عليه – لم ينشأ ليقدم لنا العدالة والانصاف على طبق من فضة،
فهذا أمر رهين فقط بعزمنا وعملنا. وعلينا نحن أن نعمل حتى
نستحقه ونحصل عليه نتيجة جهدنا ومواظبتنا، لأنه لا ينجم عن
الضعف والتهاون سوى تشجيع أطماع الآخرين في استلاب الحقوق.
ولكننا نثق تمام الثقة بأن اجتماعكم المبارك، في هذا البلد
الأمين، سيكون نقطة تحول تاريخية في مسيرة أمتنا العظيمة نحو
الانبعاث والعزة والمنعة حتى تصبح كما أرادها الخالق عز شأنه
خير أمة أخرجت للناس.
وفقكم الله وسدد خطاكم.
{وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ
وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ
وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
|