الرئيسية


 

كلمة معالي البروفيسور أكمل الدين إحسان أوغلى - الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي

حول الدورة 32 للمؤتمر الإسلامي لوزراء الخارجية

الدورة الثانية والثلاثون للمؤتمر الإسلامي لوزراء الخارجية في صنعاء بالجمهورية اليمنية
 في الفترة من 21 إلى 23 جمادى الأولى 1426هـ (الموافق لـ 28 -30 يونيو 2005م)

  صاحب  الفخامة  الأخ  علي  عبد الله  صالح

رئيس  الجمهورية  اليمنية

أصحاب  السمو  والمعالي  الوزراء

أصحاب  السعادة،

حضرات  السيدات  والسادة،

 

          السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

          يشرفني أن أرحب بكم جميعاً في مستهل أعمال الدورة الثانية والثلاثين للمؤتمر الإسلامي لوزراء الخارجية الذي تستضيفه مدينة صنعاء، حاضرة اليمن السعيد، مهد الحضارة العريقة. ويطيب لي في هذه المناسبة أن أتقدم إلى صاحب الفخامة الأخ علي عبد الله صالح، رئيس الجمهورية اليمنية بخالص الشكر لتفضله برعاية هذا المؤتمر بحضوره الشخصي، وإلى حكومته وشعب اليمن العظيم بأخلص عبارات التقدير والعرفان لتفضلهم باحتضان هذا المؤتمر الإسلامي الهام، ولحسن الوفادة وكرم الضيافة. كما يسعدني أن أرحّب بالضيوف الكرام الذين يحضرون معنا هذه الجلسة الافتتاحية.

 

          ينعقد اجتماعنا اليوم في ظلّ ظروف دولية صعبة، تتناقض مع ماضي أمتنا الذي شهد عصورا ذهبية كانت فيها قوة عظمى، ومركزاً للإشعاع العلمي والثقافي في العالم، ومهد الحضارة والتسامح والتعايش بين الأديان والمعتقدات، فإذا بنا نجد أنفسنا اليوم نجتاز مرحلة اختبار تاريخية عصيبة، ونواجه تحديات قاسية، تستهدفنا في أراضينا وسيادتنا وثقافتنا وهويتنا. ويصاحب ذلك فقدان ثقة وأزمة عجز، وضعف اقتصادي واجتماعي وعلمي وثقافي، واستلاب حضاري.

          ويحتم علينا هذا الواقع ضرورة الانعتاق من هذه الحالة النفسية، والتطلع إلى تطوير مجتمعاتنا، وإصلاح مؤسساتنا، حتى لا يشعر الإنسان المسلم أنه يجري وراء سراب خادع، لأن التطوير والإصلاح هما الضمانة الأكيدة لاستمرار الوجود المتجدد لأمتنا، ولملء الفجوة التي باتت تفصلنا عن العالم المتقدم في ميدان التطوير والنماء، قبل أن يتسع الخرق على الراتق كما يقال.

          ومع الاعتراف بوجود عقبات كأداء، فإن التجارب المعاشة تدل على أن الانعتاق من واقعنا الحالي ممكن، إن نحن سلكنا طريق التطور الحقيقي، مسلحين بالإرادة الصادقة. وهذا مثال كثير من الدول الآسيوية وغيرها بارز أمامنا، حيث بدأت تسير على طريق التطور والإزدهار، بعد أن كانت تعاني مما نعاني منه الآن.

          ومما يزيد في هذا التفاؤل أن العالم الإسلامي لم يعرف الحدود الفاصلة بين أقطاره حتى نهاية الحرب العالمية الأولى، مما يعطيه مرجعية تاريخية وخبرة عملية تؤهله لعملية التضامن في كافة المجالات، إذا ما قورن بدول أوروبا التي عاشت طوال تاريخها في صراعات وحروب، وضحت بخمسين مليون إنسان في الحرب العالمية الثانية. وإذا ما اعتبرنا التجربة الأوروبية في إعادة ترتيب المصالح والاعتبارات الوطنية من أجل خير يعم الجميع، أمكن لنا أن نجعل من عملية التضامن الإسلامي، وسياسات منظمة المؤتمر الإسلامي أكثر نجاعة وأوفر حظا عن طريق انتهاج سياسات واقعية مبنية على دراسات عملية جادة، واتباع أساليب وتدابير ممكنة.

 

فخامة الرئيس،

معالي السادة الوزراء،

حضرات السيدات والسادة،

          لقد بدأت عملي كأمين عام لمنظمة المؤتمر الإسلامي قبل ستة أشهر، بعد أن انتخبت – لأول مرة في تاريخ المنظمة -، بطريقة ديمقراطية شفّافة. وبحكم عملي في نطاق المنظمة على مدى ربع قرن، واكتسابي نظرة داخلية فاحصة لشؤونها، وظروف تطورها، والآمال المعقودة عليها، فإني أشعر إزاء هذا التكليف والتشريف بثقل المسؤولية، مقرونا بواجب الوفاء بما ألقي عليّ من تبعات جسام. ولهذا فإنني آخذ عملي في هذا المنصب مأخذ الجدّ والالتزام التام، وأعقد العزم على أن أبرّ بما أقسمت عليه وأنا أتحمل مهمتي الجسيمة أمامكم، وأمام دولكم وشعوبكم وقبل هذا أمام ضميري، وأمام الله والتاريخ.

 

          وأعظم خدمة نقدمها جميعا للأمة الإسلامية هي أن نجعل من هذه المنظمة، منظمة تستطيع أن تجلب لأمتنا المصالح، وتدرأ عنها المفاسد، وتعينها على الصمود أمام تحديات العصر، وتوَحّد لها الكلمة والصف، وتعيد لها العزّة والمنعة. وللوصول إلى هذا الهدف فإنه لابد أن يكون لدينا تصور واضح لآفاق التضامن الإسلامي في العقود القادمة بعد مراجعة نقدية لإرث المنظمة، وما أنجزته أو عجزت عن إنجازه منذ إنشائها. ويقتضي هذا إعادة نظر شاملة بميثاق المنظمة، لإعادة صياغته بما يعبر عن آمال العالم الإسلامي وطموحاته في مطلع القرن الحادي والعشرين. ويتبع ذلك إصلاح المنظمة وهياكلها إصلاحا حقيقيا، بما تتطلبه النظرة الجديدة، عن طريق عملية مستمرة ذات خطوات متتالية تضمن أن لا يبقى القرار السياسي الذي يصدر عن منظمتنا مجرد تمنيات طيبة يتلاشى مفعولها أمام الموانع البيروقراطية، بعيدا عن أية صفة تنفيذية. وهذا ميدان رحب متشعب الأطراف، ولكنه لا يعلو على هممكم وهمم أبناء الأمة الإسلامية بما كان لها في هذا العالم من سبق وريادة ومكانة رفيعة. وكل هذا يتوقف على إرادتكم والتزامكم، ويتوقف كذلك من ناحية أخرى على أداء وفعالية جهاز هذه المنظمة.

 

          ومن هنا رأيت أن أوجب الواجبات أن أسعى لدفع عجلة إصلاح المنظمة إصلاحا جوهريا، لا شكليا، وتجديد هياكلها، وأساليب عملها، والاستفادة المثلى من الكفاءات البشرية المتوفرة، وتطوير الامكانات وتحسين الكفاءة والأداء. وقطعت في ذلك شوطا لا بأس به، وعملت على ترشيد النفقات، وتطوير نظام محاسبي جديد وآخر للرواتب وتبنيت ما سبق أن اتخذتموه في مجال ترشيد القرارات لتكون قابلة للتطبيق العملي. وطرحت في الوقت ذاته أفكاراً أوسع مدى كالمناداة بتعديل الميثاق الذي تجاوزه الواقع كثيرا، والتفكير في اسم جديد للمنظمة أكثر دلالة على واقعها وخلق آليات جديدة لضمان تنفيذ القرارات.

وسيعين كل هذا منظمتنا على القيام بالدور الذي يتوقعه منها العالم الإسلامي، في ميادين حيوية أساسية، كميدان التنمية بأبعادها المختلفة، وميدان الإصلاح وبث الوعي بحقوق الإنسان والديمقراطية، واكتساب العلوم والتقنيات الحديثة والارتفاع بمستوى الاقتصاد إلى مستوى الانخراط في سياق الاقتصاد العالمي.

 

          وفي هذا الصدد وضعت لجنة الشخصيات البارزة التي أوصت القمة الإسلامية العاشرة بإنشائها لمواجهة تحديات الألفية الجديدة توصياتها التي سترفع إلى القمة الاستثنائية القادمة التي دعا إليها إليها صاحب السمو الملكي الأمير عبدالله بن عبد العزيز، ولي عهد المملكة العربية السعودية للاجتماع في نهاية هذا العام. وتتضمن هذه التوصيات تحديداً للتحديات وأفكاراً للتعامل معها، والآليات التي ستنفذ هذه الأفكار.

 

حضرات السادة الوزراء،

          وأمام استشراء ظاهرة كراهية الإسلام في الغرب، رأيت أن من الواجب شن حملة على هذه الظاهرة البغيضة ، وقد طرقنا في هذا الصدد لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة في جنيف، حيث نجحنا في إصدار قرار يمنع الإساءة إلى الأديان، وبالخصوص إلى الدين الإسلامي وعدم ربطه بالإرهاب، كما طرقنا باب الجمعية العامة للأمم المتحدة للقيام بجهد في هذا السبيل، وباب منظمة الأمن والتعاون في أوروبا التي وضعت هذا الأمر على جدول أعمالها، وأقرت أن التحامل على الإسلام أصبح التحدي الأساسي في مجال حقوق الإنسان في أوروبا.

 

فخامة الرئيس،

أصحاب المعالي

حضرات السيدات والسادة

          وحينما أصبح موضوع توسيع مجلس الأمن، موضوعاً ملحّا في جدول أعمال الأمم المتحدة، قمنا بتحرك واسع مع المجموعة الإسلامية في الأمم المتحدة في نيويورك لضمان تمثيل دائم للعالم الإسلامي في مجلس الأمن، إذ لا يمكن أن يبقى العالم الإسلامي أو بمعنى آخر خُمس أبناء البشرية في حالة إقصاء وتهميش عن أنشطة مجلس الأمن الذي يقوم بدور أساسي في الحفظ على الأمن والسلم في العالم.

 

          وسأبسط القول في بياني الموسع عن هذه القضايا وغيرها، كتتبعنا للقضايا الإسلامية الكبرى وفي طليعتها قضية فلسطين التي تحتل من اهتمامنا القسط الأوفر، وقضية العراق وكشمير وغيرها.

 

          ويبدو من خلال ما أوجزت من أنشطة ومبادرات أن ميدان العمل للمنظمة في الأيام القادمة ميدان واسع ومتشعب، ولكنه في الوقت ذاته ميدان واعد بخلق حركية جديدة تضمن للعالم الإسلامي موقعا أكثر تميزا بين مصاف القوى الدولية.

          وقد أطلعت الكثيرين من القادة المسلمين على منهجي وأفكاري وما أنوي القيام به فلم أجد منهم سوى التشجيع والتأييد، كما طالبت في لجنة الشؤون المالية رفع مبلغ الميزانية بما يسمح لنا بتغطية تكاليف الأنشطة الجديدة بما يسمح لنا باستقطاب عناصر عالية الكفاءة لمساعدتنا على النهوض بمسؤولياتنا.

 

وكل هذا رهين بإرادتكم  السياسية وعزمكم على دعم النهج الجديد للعمل الذي بدأنا نقوم به، والذي ستقفون على تفاصيله بما لا يتسع له الوقت في هذه الجلسة الإفتتاحية .

 

          إن أمامنا في هذا العام محطتين هامتين في مجال العمل الإسلامي المشترك. محطة هذا الإجتماع الوزاري الذي تتاح لكم فيه فرصة مواتيه لتحقيق اختراق حقيقي في أزمة إصلاح المنظمة الإصلاح الجوهري الذي تتوق إليه الدول الرائدة والمخلصة لهذه المنظمة والمهتمة بخدمة العالم الإسلامي ، حيث تلتقي هذه الارادة مع إرادة أمين عام يعمل بكل وسعه وطاقته لتحقيق هذا الهدف الأسمى .

 

          أما المحطة الثانية فهي محطة القمة الاستثنائية في مكة المكرمة التي دعا إليها كما أسلفت صاحب السمو الملكي الأمير عبد الله  بن عبد العزيز، والتي ستضطلع – بين أشياء أخرى - بمسؤوليات تاريخية حاسمة، وتخص تنفيذ التوصيات العملية الهامة التي تدارسها وأقرتها لجنة الشخصيات البارزة المنبثقة عن قمة بوترجايا والتي تتعلق بكيفية النهوض بالعالم الإسلامي بطريقة عملية، ومساعدته على مواجهة التحديات السياسية والفكرية والتنموية، وفتح المجال في بداية العام القادم على مصراعيه لأوراش عمل إسلامية تصنع التاريخ ، وتوقظ الهمم، وترفع عنا الشعور بالعجز ، وتضعنا على درب التضامن والتكافل . والأمل معقود على أن تتكلل هاتان المحطتان بالنجاح والتوفيق، وأنتم معقد الرجاء، ومحط الأمل الواعد .

          والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.